أبي منصور الماتريدي

452

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

كقوله : وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ [ المائدة : 20 ] من المن ، والسلوى ، وتظليل الغمام ، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول . كما قيل : إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم ، وكانت لا تبلى عليهم ولا تتوسخ ، وذلك مما لم يؤت أحدا سواهم . ويحتمل أيضا قوله : نِعْمَتِيَ أي : النجاة من فرعون وآله ؛ كقوله : وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ . . . الآية [ البقرة : 49 ] . وقوله : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ . قيل « 1 » : فضّلوا على جميع من على وجه الأرض ؛ على الدوابّ بالجوهر ، وعلى الجن بالرسل ، وعلى البشر بالإيمان . ويحتمل تفضيلهم على العالمين وجوها أيضا : ما ذكرنا من بعث الأنبياء منهم . والنجاة من أيدي العدو . وإهلاك العدو وهم يرونه . وفرق البحر بهم ، والنجاة منه ، وإهلاك العدو فيه . وذلك من أعظم النعم : أن ترى عدوّك في الهلاك وأنت بمعزل منه آمن . وقوله : يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ إلى قوله : فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ . يحتمل : فضّل أوائلهم . وفي الآية وجهان على المعتزلة : أحدهما : قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ، وعندهم : أن جميع ما فعل مما عليه الفعل ، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزا ، فإذا كان تركه بفعله جائزا ففعله حق عليه . ولا أحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعما على أحد ؛ فثبت أن كان ثمّ منه معنى زائد خصهم به ، وأن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة ، ولا ترك الإنعام بخل كما قالوا . والثاني : قوله : فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى ، لم يكن لهم تفضيل على غيرهم ؛ فثبت أن كان فيهم ذلك . ومن قول المعتزلة : أن ليس لله أن يخص أحدا بشيء إلا باستحقاق يفعله ، وبذلك هم

--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن قتادة بنحوه ( 869 ) وأبى العالية ( 870 ) ومجاهد ( 871 ، 872 ) ، وانظر الدر المنثور ( 1 / 133 ) .